يحذّر الكاتب جيمس أكتون، الباحث البارز في برنامج السياسة النووية بمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، من أن الاتفاق النووي الجديد بين الولايات المتحدة وإيران يعيد إنتاج أخطاء تاريخية قديمة، بسبب الغموض الذي يحيط بصياغته وبنوده، ما يهدد بانهياره كما حدث مع اتفاقات سابقة خلال العقدين الماضيين.
وتشير مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي إلى أن هذا التحليل يأتي ضمن سلسلة من القراءات التي يناقش فيها خبراؤها مستقبل الدبلوماسية النووية مع إيران، مع التركيز على مخاطر غياب الدقة في الاتفاقات الدولية، وأثر ذلك على الاستقرار الإقليمي والدولي.
غموض الاتفاق يفتح باب الفشل
يرى أكتون أن التجارب الدبلوماسية منذ أوائل الألفية تكشف أن أي اتفاق نووي مع إيران يعتمد على العبارات غير المحددة سرعان ما ينهار. ويستعرض مثال اتفاق عام 2003 بين إيران وثلاث دول أوروبية، حين أُعلن عن “تعليق طوعي لتخصيب اليورانيوم”، لكن الخلافات حول تفسير ما يُسمح به فعلياً أدت إلى انهياره خلال أقل من عام.
ويؤكد التحليل أن الاتفاق الجديد يعيد إنتاج المشكلة نفسها، إذ ينص على الحفاظ على “الوضع القائم” للبرنامج النووي الإيراني دون تعريف واضح لهذا الوضع، ما يفتح الباب أمام تفسيرات متناقضة بين واشنطن وطهران. ويطرح الكاتب إشكاليات عملية، مثل ما إذا كانت الأنشطة التقنية في المواقع النووية، مثل إعادة تأمين المواد أو تنظيف المواقع، تقع ضمن نطاق الانتهاك أم لا.
ويشير أكتون إلى أن التجربة السابقة مع اتفاق عام 2004 بين إيران والدول الأوروبية أعادت إنتاج المشكلة ذاتها، حين اصطدمت عبارة “الضمانات الموضوعية” بتفسيرات متعارضة حول ما إذا كانت تعني التخلي الدائم عن التخصيب النووي.
تجارب الماضي ودروس الاتفاق النووي الشامل
يركّز الكاتب على أن اتفاق 2004 انهار بدوره بسبب غياب تعريفات دقيقة، ما دفع لاحقاً إلى صياغة اتفاق 2015 النووي المعروف باسم الاتفاق النووي الشامل، الذي تضمن تفاصيل دقيقة امتدت إلى أكثر من 150 صفحة، شملت القيود وآليات التحقق والالتزامات الاقتصادية.
ويعتبر التحليل أن نجاح اتفاق 2015 النسبي قبل انسحاب الإدارة الأمريكية منه عام 2018، يعود إلى دقة صياغته ووضوح آليات التنفيذ، وهو ما تؤكده تقارير استخباراتية أمريكية حينها أشارت إلى التزام إيران ببنوده.
ويحذر الكاتب من أن الرهان على “التفاهمات غير المكتوبة” كما تفضل بعض الإدارات السياسية يمثل خطأ استراتيجياً، لأن الالتزامات غير المحددة لا يمكن التحقق منها أو فرضها، ما يجعلها عرضة للانهيار عند أول خلاف.
الدبلوماسية بين الضرورة والضياع السياسي
يدعو التحليل إلى الاستمرار في محاولة تنفيذ الاتفاق الحالي بدل التخلي عنه أو العودة إلى التصعيد العسكري، لكنه يشدد على ضرورة إعادة صياغة المرحلة التالية من التفاوض بطريقة أكثر صرامة ودقة.
ويؤكد أكتون أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يتضمن آليات تحقق واضحة وتحديداً دقيقاً للالتزامات المتبادلة، بما في ذلك تفاصيل تخفيف العقوبات وجدولها الزمني، إضافة إلى حدود البرنامج النووي الإيراني.
ويشير إلى أن التجارب السابقة تثبت أن التوازن بين المرونة السياسية والدقة القانونية هو العامل الحاسم في نجاح أي اتفاق نووي. فكلما زادت الضبابية، ارتفع احتمال الانهيار، وكلما زادت الدقة، تعززت فرص الاستقرار.
ويختم التحليل بالتأكيد على أن الإدارة الأمريكية بحاجة إلى تجاوز فكرة أن الغموض قد يسهل التفاوض، لأن الواقع يظهر العكس تماماً، حيث تتحول الصياغات غير الدقيقة إلى مصدر دائم للنزاع. ويدعو إلى الاستفادة من دروس ربع قرن من المفاوضات مع إيران لصياغة اتفاق أكثر صلابة ووضوحاً، قادر على الصمود أمام التغيرات السياسية والضغوط الدولية.
https://carnegieendowment.org/emissary/2026/06/iran-deal-nuclear-weapons-clarity-history

